مقدمة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد :
فإن مما لا يخفى أن واقع التعليم العالي في العالم العربي اليوم واقع صعب مؤسف ،يعاني من مشكلات كثيرة وأزمات معقدة حتى بات هذا الواقع الأليم مؤرقا لكثير من المعنين على جميع المستويات .

وقد اخترت أن أتحدث في هذا البحث عن أربع مشكلات كبيرة نراها ماثلة في كثير من المجالات في واقع التعليم العالي العربي ، وسيجد القارئ أن كل مشكلة من هذه الأربع تندرج تحتها مشكلات كثيرة جزئية تظهر في كافة المستويات وفي أغلب الميادين . وهذه المشكلات الأربع الكبيرة هي :

l اولا: التغريب (أزمة الهوية ) في واقع التعليم العالي العربي.
l ثانيا : (التسليع) في التعليم العالي في الوطن العربي.
l ثالثا : التمييز في التعليم العالي في الوطن العربي.
l رابعا : (التسييس) في التعليم العالي في الوطن العربي.

وفيما يلي بيان لتوضيح كل من هذه المشكلات :

أولا: أزمة الهوية (التغريب)
l الهوية التي نريد : أن تكون فلسفة التعليم وسياساته وأهدافه منبثقة من عقيدة المجتمع وثقافته الذاتية الأصيلة ، ناطقة بلغته ، معتزة بقيمه وتاريخه ،معبرة عن آماله وتطلعاته..l مفهوم التغريب : المقصود بالتغريب انتشار الفكر الغربي وتأثيره في فلسفة التعليم العالي ومنطلقاته وسياساته وأهدافه وممارساته في الواقع.
للأسف فإن " كل من سياسة التعليم واهدافه وخططه ومناهجه الدراسية بنعظم البلدان الاسلامية تفتقر إلى التوجيه الإسلامي ، بل نجدها _ في كثير من الأحيان _ موجهة للغزو الفكري لأبناء الأمة " ( شوق ، 1999، ص26 ) .
وقد جاء في تقرير اليونسكو عن مشلات التخلف التربوي في العالم الثالث ما يؤكد هذه الحقيقة : حقيقةعدم مناسبة النظم الغربية للمجتمع المسلم. تقول اليونيسكو : " إن النظم التربوية والتعليمية التي أخذت من الشرق والغرب لم تعد تناسب حاجات ومتطلبات الدول التي استعارت تلك النظم " ( شوق ،1999،ص29 نقلا عن تقرير اليونسكو المذكور ، ترجمة : طه ،حسن جميل و عبد المعطي ، يوسف _1979 الكويت ، مكتبة الفلاح ص31 ) .
l أسباب التغريب وأزمة الهوية :
1- الاستعمار القديم والمعاصر: المقصود بالاستعمار القديم الإستعمار العسكري الذي عانت منه الدول العربية في بدايات القرن العشرين وما صاحبه من سياسات استعمارية قائمة على التجهيل والتغريب ومحاربة اللغة العربية والقيم الإسلامية .
أما الإستعمار المعاصر فهو الإستعمار الثقافي والغزو الفكري الذي تعاني منه الأمة اليوم .
2- سياسة الابتعاث إلى الخارج . وتأثير المثقفين المتغربين : يبين (التل ،1998، ص 129 ) ان عدد الطلاب الأردنين المبتعثين إلى روسيا من 1985- 1996 بلغ 441 طالبا . فكم طالبا من هؤلاء يا ترى رجع محملا بقيم تلك البلاد وأفكارها ؟
إن تاثير سياسة الإبتعاث إلى الخارج يبقى تأثيرا نسبيا لكن بسبب ضعف التحصين الثقافي لدى كثير من شبابنا فإن هذه السياسة تؤثر حتما في تغير قيمهم و فقدانهم لهويتهم الاسلامية .
3- الاعلام .الفضائيات .الانترنت .
4- ضعف الثقاقة الاسلامية عند الطلبة والمدرسين .
5- ضعف الارادة السياسية العربية
6- التعامل الخاطئ مع التراث
7- غياب القدوة الاسلامية المميزة .
l مظاهر (التغريب) والمجالات التي ظهر فيها :
1- فلسفة التعليم العالي وسياياته وأنظمته وأهدافه : تتفاوت درجة تأثير التغريب في فلسفة التعليم في الدول العربية من دولة لأخرى ، ففي الأردن مثلا تنص فلسفة التعليم على أنها : " تنبثق من الدستور الأردني والحضارة العربية الإسلامية … "( وزارة التربية والتعليم – الأردن ، 1999، رسالة المعلم ، ص7) بينما هي في دول عربية أخرى تبتعد كثيرا عن هذا التوجه
2- المناهج الدراسية الجامعية : من الأمثلة على ذلك تأثير التغريب في مناهج العلوم الإجتماعية ، مثل التاريخ وغيره حيث نجد أحد خبراء الاستعمار يقول :” أما التأثير الوحيد الذي يمكن أن يتركه مثل هذا التثقيف التاريخي في عقول الأحداث من غير الشعوب الأوروبية فإنما هو الشعور بالنقص فيما يتعلق بثقافاتهم الخاصة وبماضيهم التاريخي الخاص … وهكذا يتربون تربية منظمة على احتقار ماضيهم ومستقبلهم ،اللهم إلا إذا كان مستقبلا مستسلما للمثل العليا الغربية “ . ( شوق ،1999،ص26-27 نقلا عن الندوي، أبو الحسن 1988، التربية الإسلامية الحرة في الحكومات والبلاد الإسلامية ،بيروت ، مؤسسة الرسالة ، ص27) .
3- البحث العلمي :ويظهر التغريب في مجال البحث العلمي في كل من المظاهر الآتية :
أ‌- الموضوع : حيث نجد كثيرا من موضوعات البحث العلمي متأثرة بموضوعاته في الدول الغربية إما بالإقتباس عنها وتقليدها أو بالمقارنة بين النظريات الغربية المختلفة . وهذا غالبا عند من درسوا في الدول الغربية أو تأثروا بمناهجها .
ب‌- تأثير الجهات المانحة : هناك جهات غربية كثيرة تعطي منحا لبعض الباحثين ليبحثوا في موضوعات تحددها لهم تلك الجهات وهي غالبا موضوعات غربية التوجه لا تتناسب مع حاجات مجتمعاتنا .
ت‌- الاقتباس والمقارنة
4- الطالب الجامعي : فكره ، سلوكه .
5- أعضاء هيئة التدريس فكرهم وثقافتهم
6- التغريب اللغوي : والمقصود به استبداللغة العربية باللغات الغربية وخصوصا الانجليزية في مجال التعليم خاصة في الكليات العلمية .
وهذا أمر خطير يهدد العملية التعليمية وتفاعلها المأمول مع المجتمع ويأثر سلبا على المستوى النوعي للخريجين . ( انظر الطراونة ، سليمان ، 2005 : اللغة العربية في القرن الحادي والعشرين في المؤسسات التعليمية في الأردن _ الواقع والتحديات واستشراف المستقبل ، www.majma.org.jo ( .



ثانيا : (التسليع)

l المفهوم : المقصود بالتسليع تحويل التربية والتعليم إلى بضاعة (سلعة) استهلاكية، تباع وتشترى، تخضع للعرض والطلب، ينخفض ثمنها حينا ويرتفع احيانا ويستطيع البعض الحصول عليها ويعجز البعض الآخر عن ذلك وتتعرض في بعض الحالات إلى الغش كأي سلعة اخرى، ويصبح الهدف من ورائها تحقيق الربح ، ويتم التسويق لها بأساليب شتى مشروعة في بعض اتلأوات وكاذبة في أوقات أخرى
l بعض المجالات التي يظهر فيها ( التسليع )
1- الجامعات الخاصة . وبرامج الموازي والدولي والمسائي في الجامعات الحكومية
2- المناهج الدراسية الجامعية
3- البحث العلمي
l نتائج (التسليع) ومخاطره
1- تشويه قيم الطلاب
2- اضعاف مبدأ تكافؤ الفرص
3- تراجع مخرجات التعليم العالي والبحث العلمي


ثالثا : التمييز

l المفهوم :المقصود بالتميز التربوي : ”أي تفرقة أو استثناء أو قصر أو تفضيل يجري على اساس الجنس أو اللغة أو الدين أو المعتقدات السياسة او غيرها أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الحالة الاقتصادية أو المولد ، يقصد منه أو ينشا عنه الغاء المساواة في المعاملة في مجال التعليم أو الاخلال بها ” .
l مظاهر التمييز في التعليم
1- التمييز على أساس طبقي
2- التمييز حسب الجنس
3- التمييز حسب الجغرافيا
4- التميز ضد الأقليات



رابعا : (التسييس)

l المفهوم :المقصود بالتسييس توجيه سياسات التعليم العالي ومناهجه وقراراته والممارسات في مؤسساته بالوجه السياسية التي يميل إليها صاحب القرار ومحاولة فرضها في دائرة نفوذه
l أسباب (التسييس)
1- التعصب لفكر سياسي معين
2- الارتباط بالخارج
3- ضعف الرقابة
l مظاهر (التسييس) ومجالاته
1- الادارة الجامعية
2- المناهج والمقررات
3- ممارسات بعض المدرسين






قائمة المصادروالمراجع

1- ابراهيم ، سعد الدين (1991) تأملات في مسألة الأقليات ، دار سعاد الصباح ومركز ابن خلدون .
2- أحرشاو ، الغالي (2001) ، الفكر التربوي ، العربي المعاصر بين اكراهات الواقع ومطامع المستقبل . مجلة العلوم التربوية والنفسية ،جامعة البحرين ، العدد 3 ، المجلد 2 .
3- التل، أحمد يوسف (1998) التعليم العالي في الأردن ، منشورات لجنة تاريخ الأردن .
4- حنا ، محمد جواد (2000) العرب والتربية في القرن الجديد التحدي الصعب والاستجابة الممكنة ، مجلة العلوم التربيوة والنفسية ، جامعة البحرين ، العدد 1 ، المجلد 1 .
5- سورطي ، يزيد عيسى (1995)فلسفة التربية والتعليم في العالم الإسلامي ‘ المشكلات والحلول . المجلة التربوية ، جامعة الكويت ، العدد 37 ، المجلد 10 ، الخريف .
6- السورطي ، يزيد عيسى ( 1998 ) المظاهر والاسباب والنتائج ، المجلة التربوية ، جامعة الكويت ، العدد 46 ، المجلد 12، الشتاء .
7- السورطي ، يزيد عيسى ن التمييز التربوي في الوطن العربي – المظاهر والأسباب والنتائج ، المجلة التربوية مجلس النشر العلمي ، جامعة الكويت ،العدد 53 ، المجلد 14 ، خريف 1999 .
8- السورطي ، يزيد عيسى (2003) الدور الاغترابي للتربية في الوطن العربي . المجلة التربوية ، جامعة الكويت ، العدد 67 ، المجلد 17 .
9- السورطي ، يزيد عيسى (2004) التسليع التربوي في الوطن العربي . مجلة كلية التربية ، جامعة الامارات العربية المتحدة ، السنة 19 ، العدد 21 .
10- السورطي ، يزيد عيسى ، التغريب الثقافي وانعكاساته التربوية والتعليمية في الوطن العربي ( السنة والناشر غير معروفين )
11- العاني ، نزار (2000) التربية العربية في غياب اطارها المرجعي . مجلة العلوم التربوية والنفسية ، جامعة البحرين ، العدد1 ، المجلد 2.
12- القاسم ، صبحي (1989) التعليم العالي في الوطن العربي ، منتدى الفكر العربي ، عمان ، ط 1 .
13- النابلسي ، شاكر (2005) أزمة الأقليات في العالم العربي إلى أين ، www.rezgar.com .
14- وزارة التربية والتعليم /الأردن (1999)رسالة المعلم ، المجلد 39،بديل العددين الثالث